القذارةُ موضوعاً في الشِّعر

القذارةُ موضوعاً في الشِّعر

القذارةُ موضوعاً في الشِّعر


19/08/2025

إذا تأمَّلْنا الجمال، فلن نجد تقريباً أيَّ شيءٍ يفتقرُ إليه تماماً.

-ماساوكا شيكي

"سامورايٌ في مرحاض؛ وفي الخارجِ، يُمسكُ خدَمُهُ الثلاثةُ أنوفَهم".

-     نقش خشبي ملون لهوكوساي، ١٨٣٤.

في عالمٍ  مُتشابِكٍ من آلافِ الأشياء، هناكَ أشياء جميلةٌ، وأشياء قبيحةٌ، وأشياء تَجمَعُ بينَ الجمالِ والقبحِ. ومعَ ذلكَ، إذا تأمَّلنا الجمالَ، فلنْ نَجدَ تقريباً أيَّ شيءٍ يفتقرُ إليهِ تماماً.

 ومن بين كتب لا تُحصى في علم الجمال، يبرزُ الشعر المكتوب عن الفضلات( البراز) كمثال متطرفٍ جداً في الكتابة الشعرية التي تسعى لتنميق جمال الصورة الشعرية، وهو مثال ناشز لا نجد من يقوم بتقريضه، صحيح أن هناك قصائد غربية وصينية كثيرة تتناول هذه المفردة بوضوح صارخ، إلا أنها نادرة الوجود في الأدب الياباني، ويجمع مؤرخو الأدب في اليابان على أنهم يعتقدون بعدم وجود قصيدة تتناول هذا الموضوع المثير للغثيان حتى في الكتب التي لم يقرأوها.

 ومادام الأمر كذلك، فإن الفضلات( البراز) تبدو غير مناسبة للشعر، غير أن الغرابة تكمن في وجود هذه المفردة يمكن العثور عليها في العديد من قصائد الهايكو اليابانية التي تتحدث عن البراز.

ويرى النقاد اليابانيون أن القصائد القصيرة مثل الهايكو تسمح بظهور هذه المفردات بكثرة نسبياً في الهايكو؟ ربما لأن القصائدَ القصيرة مثلَ الهايكو تحملُ درجة عالية من التناغم، ورغم صعوبة استخلاص ذرة واحدة من الجمال في شيء قبيح كالفضلات، غير أن دمجها مع شيء آخر يجعل من الممكن الحفاظ على لمحة خفيفة من الجمال.

 خارجَ هذا الدمجِ، لا توجدُ طريقةٌ لتَجميل كلمة (براز)،  فمجرد دمجها مع شيء آخر لا يعني بالضرورة انسجامها، فهي كلمة تتطلب مزيجاً بسيطاً وواضحاً للغاية؛ بمعنى آخر، لا يمكن انسجام هذه الكلمة إلا إذا تم دمجُها في الهايكو، وثمة أمثلة عديدة نسوقها للقارئ لتوضيح هذا الانسجام مباشرةً:

"تبدو أزهار البرقوق الحمراء المتساقطة وكأنها متوهجة على كتل من روث الخيل"

بوسون

شجرة برقوق مزهرة - روث الخيل على الطريق جنوب النهر.

موتشو

بهذه الطريقة، لا تبدو كلمة "براز" قذرة، بل على العكس، تبدو صورة روثِ الخيلِ أنيقةً نوعاً ما، ويعودُ ذلكَ إلى بساطةِ وتناغمِ الكلماتِ، وذلك مالايمكن تحقيقه في النصوص الطويلة.

في الأحاديث اليومية ، هناك أوقات لا تبدو فيها كلمة "براز" قذرة أو مضحكة، لكنها إن وردت في خطاب عام ورسميّ، فمن المؤكد أن المتلقين سيشعرون بالإهانة، لكنها في الهايكو يمكن لمثل هذه الكلمات أن تبدو قصيرة وغير رسمية ومثيرة للضحك، وبالتالي حتى كلمة ( براز) يمكن استخدامها  لكن إذا وردت الكلمة في خطاب عامّ رسميّ، فمن المؤكد أن الجمهور سيشعر بالإهانة. لكن في الهايكو، يمكن أن تكون كلمات كهذه قصيرة وغير رسمية ومضحكة، بينما في القصيدة الطويلة تكتسب الكلمات طابعاً رسمياً جادّاً وصارماً لا يتناغم مع مثل هذه المفردات.

تُشيرُ العديدُ من قصائدِ الهايكو إلى فضلاتِ الطيورِ، لدرجة أنَّها أصبحت مثلاً جعل الناس هنا يَعتقدون أن سقوط براز الطائر عليهم يعدُّ فألاً حسناً، وذلك لأن فضلات الطيور لا تثير شعوراً بالقذارةِ.

ذلك يجعلُ مشاهدَ مثلَ صخرةٍ في البحرِ مغطّاةٍ ببرازِ طيورٍ بيضاءَ نقيَّةٍ، جميلةً إلى حَدٍّ ما، في حين تنسب بعض الفصلات إلى "الطائرات الورقية" بكثرةٍ في الأحاديث اليومية، وتظهرُ كذلكَ في قصائدِ الهايكو، كتعبير طفولي عن تشبيه الطائرات الورقية بالطيور :

- طائرةٌ ورقيَّةٌ تَمسَحُ فضلاتِها وتَطيرُ عائدةً إلى موطنِها - ثلجُ جبل فوجي-

- كافو

- صرخةٌ واحدةٌ - وقواقٌ صغيرٌ يتغذّى على فضلاتِ طائرٍ مغرِّدٍ.

- بايجون

- فضلاتُ طائرةٍ ورقيَّةٍ لَزِجَةٍ تَسقطُ مباشرةً على بَتلةِ زهرةِ السَّوسن.

- بوسون

- طائرٌ مغرِّدٌ- يتبرَّزُ على كَعكةِ أرزٍ من أعلى شجرةِ كستناء.

- باشو

- طائر مغرِّدٌ  يَتبرَّزُ على غُصنٍ ميّتٍ من شجرةِ بَرقوق.

- أونيتسورا

ويعتقدُ  أنَّ فضلاتِ الطيور المغردة في الأدغال تُنقّي الجلد، ما يجعلها لا تُثير شعوراً بالقذارة.

- مستهدفاً بِدِقَّة،ٍ فوقَ منزلِ القريةِ الكبيرِ - الصقرُ يتغوَّط

- بانسوي

برازُ طائرِ الغاقِ المتجمِّدِ على غُصنِ شجرةِ صنوبَر - ضِفَّةُ النهر.

- غون

- يُسقُط برازُه على لوحةٍ لأوتسو – السنونو.

- بوسون

- عندما تُظهِرُ لهُ بعضَ التعاطُفِ، يتغوَّطُ عليكَ العصفورُ الصغير.

- عيسى

على برعمِ قصبةٍ، برازُ إوَزَّةٍ بريَّةٍ قديمٍ - ذكرى عزيزةٌ.

- كيوتاي

حتّى الطائرُ الذي يتغوَّطُ على أزهارِ الكاميليا- يأخذُ قسطاً من الراحةِ في رحلتِه.

- سينتوكو

- أوه، لا! أنواعٌ من الطيور تُلوّث الزهور بفضلاتها.

- إيسيتسو

من خلال قصائد الهايكو هذه، والتي استخدم فيها الشعراء فضلات الطيور، نرى أن من لم يعتادوا قراءة الهايكو لن يجدوها غريبة، وقد تظهرُ فضلاتُ الطيورِ أو لا تظهرُ في الشعر الغربيِّ، ولكن، بالتأكيد، في بعض الحالات، لن يكون الموضوع غير مناسب.

يستخدمُ الهايكو بحريَّةٍ زخارفَ مثلَ: الغائطِ والبولِ، ناهيكَ عن المراحيضِ الخارجيَّةِ والمآزر وما إلى ذلك، ويحارُ معظمُ الناسِ في سببِ قيامِ شعراءِ الهايكو بتأليفِ قصائدَ تتناول مثلَ هذهِ المواضيعِ القذرة والمثيرة للغثيان. ولا يقتصرُ هذا الاتِّجاهُ على شعراءِ الهايكو، فقد اعتاد بعض الرسامين تجسيد هذه الصور في لوحاتهم، غير أن الهايكو تحديداً يُمكِّنُ الشعراءَ من تصويرِ الأشياءِ التافهةِ التي لا تستطيعُ الأشكالُ الشعريَّةُ الأخرى تصويرها، نظراً لميلِ شاعر الهايكو الطبيعي إلى شمولِ كل شبرٍ من العالمِ بنظره بغية تجميل مايراه الأخرون قبيحاً.

-     القصائدُ المنشورةُ في المقالِ مقتبسةٌ من مقالٍ أوسع للشاعرِ اليابانيِّ-ماساوكا شيكي- وقام بترجمتها من اليابانية إلى الانجليزية كلٌّ من إيكوهو أمانو وجيمس شيا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية